الذكرى الخامسة
لغزو العراق
الحدث...دوافع
ونتائج ومواقف
الخروج من المأزق الراهن
عادل حبه
يبقى موضوع غزو التحالف بقيادة الولايات المتحدة للعراق
أحد أهم المواضيع المطروحة للنقاش والجدل داخلياً وخارجياً،
وسيبقى كذلك لحين حلول فترة تتسم بالاستقرار والهدوء ووضوح
نتائج هذا الغزو خاصة بالنسبة للعراقيين. خارجياً يبقى هذا
الحدث في الوقت الراهن عرضة لتقييمات تخضع للتنافس السياسي
الداخلي في الولايات المتحدة، أو للخلافات الدولية على
تنوع أطرافها، أو لتجاذبات أيديولوجية متناقضة. كما يبدو
أنه من غير اليسير الآن على العراقيين، وفي ظل هذا
الإحتقان السياسي الخطير في العراق والانقسام العميق في
المجتمع وطغيان العنف وبأبشع أشكاله، إضافة إلى حملات
التخوين والتكفير، أن تتم مناقشة تتسم بالدقة والموضوعية
لهذا الحدث الخطير في تاريخ العراق والمنطقة والعالم عموماً.
فالغزو أثار جدلاً واسعاً حول دوافعه فاق ربما ذلك الجدل
الذي جرى حول الذرائع لغزو أفغانستان أو أية دولة أخرى
سواء في الفترة التي طغت فيها هستيريا الحرب الباردة أو
بعدها.

التاسع من نيسان 2003
فالحديث يدور هنا عن غزو بلد يُعد الثاني إن لم يكن الأول
من حيث الإحتياطيات النفطية، بلد عريق في حضارته، وغني في
طاقته البشرية، ويقع في القلب من منطقة الشرق الأوسط
الغارق في المخاطر والنزاعات، بلد يضم فسيفساء فريد في
تركيبته العرقية والدينية والمذهبية، ويشهد خلال أكثر من
نصف قرن عواصف سياسية وعسف فاق ما شهدته كل دول المنطقة،
بلد كان على الدوام يتأرجح في العقود الأخيرة بين نهجين
متصارعين وبعنف شديد، نهج يتمسك بالإرث البالي وتقاليد
القديم الكابح للتطور، وبين نهج مناقض يسعى إلى ولوج درب
الحداثة والعصرنة والتقدم الذي يهز العالم الآن بسرعته
وبمؤشراته الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والعلمية
والتكنولوجية المذهلة.
دوافع وتحليلات ينبغي التحقق منها
قبل أن تندلع الحرب وبعدها، برزت أكوام متناقضة من
التحليلات حول أهداف الحرب ودوافعها. إلاّ أن سير الأحداث
لحد الآن لم تبرر الكثير من هذه التحليلات. ومع ذلك لا زال
هناك متسعاً من الوقت، كما أعتقد، كي نسمع و نرى تحليلات
أقرب إلى الواقع من تلك التحليلات التي سمعناها أو
شاهدناها على شاشات التلفزيون ووسائل الاعلام الأخرى. إن
بعض التحليلات والمواقف المعارضة للحرب وخاصة من بعض الدول
الإقليمية استهدفت أمور أخرى غير معارضة غزو الولايات
المتحدة للعراق. فعلى سبيل المثال، إن حكام إيران قد
التزموا الصمت إزاء غزو الولايات المتحدة وحلفائها
لأفغانستان ضمن اتفاق غير معلن على تصفية حكم الطالبان
المعادي لحكام إيران أيضاً، دون أن يحصلوا على إمتيازات
كانوا يتوقعونها جراء هذا الاتفاق غير المعلن. كما التزم
هؤلاء الحكام الصمت في البداية أزاء غزو العراق. إلا أن
حكام إيران كانوا يطمحون بالحصول على دور لهم معنرف به في
العراق بعد انهيار النظام، وكانوا يعتبرون أنفسهم لاعبين
أساسيين في الساحة العراقية. ولما لم يجر الاعتراف بهذا
الدور، أعلنوا موقفهم المعارض بشدة وساروا على طريق إرباك
الوضع في العراق وتحويله إلى ساحة لعرض عضلاتهم مع غريمتهم
الولايات المتحدة. كما أن موقف حكام سوريا أزاء التطورات
في العراق ليس له علاقة بالشأن العراقي بقدر ما له علاقة
بانفراط العقد الذي دام سنوات بين الإدارة الأمريكية
والحكم في سوريا حول توزيع الأدوار في لبنان. هذا العقد
الذي كان يجدد سنوياً من خلال اللقاءات الدورية في جنيف
بين رؤساء البلدين. إلاّ أنه توقف بعد ما شهدته الساحة
الدولية من تطورات فرضت تغييراً في الموقف وخاصة من قبل
الولايات المتحدة.
لقد قيل الكثير في ندوات ومقابلات تلفزيونية ومقالات
متخصصين "ستراتيجيين" عن أن هدف الحرب ما هو إلاّ مسعى من
الولايات المتحدة للسيطرة على النفط ونهب ثروات العراق.
ولكن لم تبرر السنوات الخمس الماضية ما رآه هؤلاء المحللون
حول النوايا "النفطية" للغزاة ونهبهم لخيرات العراق.
فالخزينة الوطنية العراقية التي كانت خاوية من أي إحتياطي
في العملة الصعبة جراء نهب النظام السابق لثروات البلد
وآخر ورقة من العملة الصعبة مع البدء بالغزو، تحتوي الآن
وبعد الغزو على قرابة 22 مليار دولار من أحتياطي العملة
الصعبة. وبسبب الإرتفاع في أسعار النفط الخام الذي جاء
نتيجة للطلب المتزايد عليه من قبل العملاقين الجديدين
الصين والهند، وتخطي روسيا مرحلة الانكفاء السابق في
المجال الاقتصادي والدخول في النمو الاقتصادي السريع،
توفرت الإمكانية للحكومة العراقية نتيجة الواردات
المتضاعفة للنفط بتخصيص مبلغ 48 مليار دولار للميزانية
الجديدة لعام 2008، إضافة إلى 10 مليار دولار لصندوق
الاستثمار. وهو رقم لم تبلغه أية ميزانية من الميزانيات
العراقية السابقة. ويشكل هذا الرقم دليلاً دامغاً على أن
واردات النفط للعراق لم تتعرض للنهب من قبل الغزاة
الأمريكان. كما إن بلداً مثل الولايات المتحدة التي يقترب
ناتجها القومي الإجمالي من 14 تريليون دولار(*)، لا
تخوض حرباً مكلفة جداً من الناحية البشرية والمادية كي
تحصل على بضعة مليارات من الوارد الوطني للعراق من إنتاج
النفط وتصديره.
وأكد فريق آخر على أن الهدف من الغزو هو السيطرة على منابع
النفط ومصادر الطاقة وامداداتها من أجل تعزيز مواقع
الولايات المتحدة في الصراع والتنافس المفترض على هذه
المصادر بين الولايات المتحدة ومنافسيها القدامى والجدد
وخاصة الصين والهند. إن سير الأحداث ومنذ انهيار النظام
السابق يشير إلى غير ما ذهب إليه هؤلاء المحللون. فهم
يتناسون أن الولايات المتحدة لها علاقات وقواعد عسكرية
واقتصادية قديمة مع كل دول الخليج، وهو ما يكفيها للسيطرة
والهيمنة. كما كان لها قبل غزو الكويت، أفضل العلاقات مع
حكم صدام وضمن اتفاقيات سرية ساعدت صدام حسين على الصمود
بوجه التهديدات الإيرانية اثناء الحرب العراقية الإيرانية.
كما إن صدام حسين وفي أوج توتر علاقاته مع الولايات
المتحدة بعد إنتهاء الحرب العراقية الإيرانية، كان يقدم
للولايات المتحدة التنازل تلو التنازل والعروض المغرية
خاصة في مجال النفط، وبضمنها بيع النفط لها بأسعار
تفضيلية، كما كان يبيعه للأردن، والسماح لشركات النفط
الأمريكية للعمل في العراق، من أجل الحفاظ على كرسيه من
السقوط.
ولا يصمد أمام الواقع الحديث عن التنافس بين الدول
الرأسمالية أو مع العمالقة الرأسماليين الجدد في الصين
والهند وروسيا الاتحادية، فهو أمر قابل للتشكيك والدحض.
فالجميع يرى بأم عينيه ويعيش ظاهرة العولمة، التي يتوحد
فيها ويتشابك الاقتصاد العالمي، وتزال الحدود الوطنية بين
الدول. فالصين لم يكن لها أن تقف على رجليها وتخرج من
دائرة الفقر بدون دعم أقطاب الرأسمالية العالمية وليس
التنافس معهم. وكذا الحال بالنسبة للهند، التي تتحول
تدريجياً إلى مصنع تكنولوجيا المعلومات في العالم، وروسيا
الاتحادية التي يزداد ناتجها الاجمالي سنوياً بمقدار 7%-
8% بعد ركود دام لعقود، مع ما رافق ذلك من تشابك الاقتصاد
الروسي تدريجياً مع الاقتصاد العالمي. هذا التشابك دفع
شركة تاتا العملاقة الهندية مثلاً إلى شراء فخر صناعة
السيارات البريطانية "جاگوار"، في حين تقوم المراكز
المالية الصينية بشراء كبرى البنوك البريطانية والأوربية
أو التوظيف في المؤسسات الاقتصادية في الولايات المتحدة.
وينطبق نفس الأمر على المثل الروسي الاقتصادي الناهض.
ونتيجة لذلك لا يمكن للاقتصاد الأمريكي أن يتخلى عن السوق
الصيني الضخم ولا عن المنتجات الصينية الرخيصة الثمن
والمنتجة ببراءات اختراع غربية، والتي تغزو أسواق العالم
بشكل مثير. فأي تنافس حاد بين هذه المراكز، هذا الذي يدور
ويضخم في مخيلات البعض، والذي أن وجد يعرض الاقتصاد
العالمي للارتباك، ويتناقض مع مقومات العولمة السائدة في
العالم، رغم أننا لا يمكن أن ننفي الخلافات التي لا تصل
إلى حد المواجهة وتدمير الجسور. إذن فكل عزف على نغمة
التنافس والمواجهة الحادة باعتبارهما أحد دوافع الغزو
الأمريكي للعراق لايصمد أمام وقائع ومجريات الاقتصاد
والسياسة في عالمنا الراهن، والتي تقوم في الغالب على مبدأ
المشاركة أساساً وليس التنافس الحاد والمواجهة. إن أي
تفسير خارج ذلك هو ضرب من موروث لذهنيات سابقة من أيام
الحرب الباردة، أو المواجهات بين مراكز الرأسمالية
المتعددة المتنافسة في العالم في السابق، أو لمظاهر
وتصورات لم تعد المؤشر الأساسي في العالم.
كما لم تصمد أيضاً افكار عديدة حول أهداف الغزو من قبل
محللين عرب وأجانب. فكل حديث عن أن الغزو يشكل جزءاً من
مخطط "المحافظين الجدد" للتوسع وبناء شرق أوسط جديد لايصمد
أمام الوقائع. فأطروحة الشرق الأوسط الجديد بقيت في أدراج
منظريها ولم تر النور فقد تجاوزتها الأحداث. كما أن مخطط
غزو العراق وضع من قبل الادارة الديمقراطية في عهد كلينتون
وقبل استلام الجمهوريين (المحافظون الجدد) زمام الأمور في
البيت الأبيض. فالرئيس السابق كلينتون كان يقصف العراق
بشدة خلال رئاسته للبلاد حتى لأتفه الأسباب كاتهام النظام
السابق بمحاولة اغتيال الرئيس السابق بوش الأب في الكويت.
وكانت الادارة الامريكية قد وضعت اقليم كردستان تحت
حمايتها من طيش صدام حسين، كما وضعت ثلثي الأراضي العراقية
تحت مظلة الغطاء الجوي العسكري الأمريكي. كما فرضت ذلك
الحصار الذي زاد الطين بلة على تعاسة العراقيين بعد الدمار
الذي أحدثه النظام السابق. كما لا تصمد أيضاً طروحات
متطرفين اسلاميين وقوميين متطرفين وادعياء وطنية من
المتمسكين بطروحات عفى عليها الزمن. فالقول أن هدف الغزو
هو محاربة المقدسات والدين الإسلامي وإلغاء عروبة العراق
وتغيير في موقف العراقيين من قضية الشعب الفلسطيني لدعم
المتطرفين الإسرائيليين، أو هو جزء من صراع الحضارات وغزو
صليبي، يفنده دعم الولايات المتحدة خلال سنوات النظام
القومي العروبي لصدام حسين، إضافة لدعمها التطرف الديني في
العالم الإسلامي لمحاربة "أعداء الدين في أفغانستان"، إلى
أن فرط عقد التحالف معهم. كما أن التحول في العراق بعد
نيسان عام 2003 مكّن التيارات الإسلامية، وما أكثر
ألوانها، إلى المزيد من النشاط العبثي أحياناً، وإلى تعليق
تصاوير رجال الدين على انقاض الآلاف من تصاوير الرئيس
السابق المخلوع وتنظيم "المظاهرات المليونية". كما احتكرت
التيارات الدينية السياسية، في ظل الغزو، المطابع ودور
النشر لصالح الترويج لأفكارها الدينية وبدون أي رقيب أو
حسيب أو حظر. وأفرزت الانتخابات في العراق نتائج لصالح
التيارات الدينية المتناقضة والمتصارعة، ولم يلق كل ذلك
أية ردود سلبية أو قمع من قبل الولايات المتحدة، بما يعني
تفنيداً لدعاوى محاربة الدين من قبل "الكفار" الجدد. كما
أعطى التحول الفرصة لتبوء ممثلي التيار القومي العربي،
وبمن فيه بعثيون، مواقع لهم داخل مجلس النواب العراقي.
حقائق ينبغي التوقف عندها
ولابد لنا أن نقف أمام عدد من الحقائق المتعلقة
بالواقع السياسي العراقي، والذي يرتبط بشكل مباشر بالغزو،
والذي مهّد لما جرى في التاسع من نيسان 2003، وما تبعه من
تغيير جذري في البناء السياسي بعد انهيار أعتى ديكتاتورية
شهدها العراق، بل والمنطقة عموماً. إلى جانب تأثير هذا
التغيير على النظام العربي الاستبدادي الفاسد المأزوم.
وهنا يمكن الإشارة إلى عدد من الحقائق:
أولاً:
إن العراق في ظل
حكم صدام حسين وحزب البعث، وخلال العقود الثلاثة الماضية،
تحول إلى دولة معتدية
بالعرف الدولي، حيث قامت بغزو دولتين جارتين وبدون أي مبرر
حقوقي دولي.
وألحق العدوانان اللذان داما أكثر من عقد من الزمن تدميراً
واسعاً في البنية التحتية للعراق وجارتيه، إضافة إلى
الضحايا البشرية الهائلة. كما يضاف إلى ذلك ما تركه
العدوان من خلل ووقائع سياسية واجتماعية واقتصادية ونفسية
خطيرة على المنطقة وعلى العراق نفسه. وتبعاً لذلك اتُخذت
قرارات خطيرة بحق الدولة العراقية من قبل أعلى الهيئات
الدولية وهي هيئة الأمم المتحدة. ووقع العراق تحت طائلة
البند السابع، مما فسح المجال لأن تفرض دول ذات نفوذ وبشكل
منفرد المزيد من العقوبات ضد العراق حتى خارج قرارات
المنظمة الدولية.
إذن أصبح بلدنا،
وبسبب حماقات حكامه وطيشهم،
دولة عدوانية بالعرف الحقوقي الدولي وضعيفة ولاتلقى أي
تعاطف معها لا في الداخل ولا في الخارج،
مما عرّضها إلى إجراءات عقابية لا تفرق بين الحاكم المسبب
لكل هذه المآزق وبين معارضيه والشعب الذي كان وما يزال
الضحية الأولى لبطش وطيش حكامه السابقين ومغامراتهم
الدموية، والتخريب الإضافي لفلوله بعد سقوطه.
هذه الإجراءات الدولية العقابية القاسية طالت البلاد كلها
تماماً على غرار ما تعرض له الشعب الألماني والإيطالي
والياباني بعد الحرب العالمية الثانية لعواقب ومحن جراء
عدوان وتطرف حكام هذه البلدان، التي تعرضت في النهاية إلى
الاحتلال مع هزيمة هؤلاء الحكام. فقد فرض على هذه الشعوب
بعد أن انهار حكامها على تقديم تعويضات هائلة مقابل جرائم
ارتكبها الحكام المنهارون دون أن يكون لدى هذه الشعوب رأي
فيما حدث أو اتخذوا قراراً به. ويتكرر نفس المثل عندما دفع
العراقيون مبالغ طائلة إلى الدول التي تضررت من حرب
الخليج، وبما فيها إسرائيل، بسبب من طيش صدام حسين وقيامه
بغزو الكويت. فالمجتمع الدولي لايفرق هنا بين الحاكم وبين
الشعب، وهو ما ينبغي أن نفهمه نحن العراقيون.
ثانياً: التعويل على العامل الخارجي. لو قلبنا
صفحات تاريخ العراق القريب لوجدنا أن العامل الخارجي كان
ينمو بإضطراد ويفرض نفسه على تطورات الأوضاع الداخلية
للعراق. فاذا ما استثنينا فترة بضع شهور بعيد ثورة 14 تموز
عام 1958، حيث تضاءل اعتماد الحكم على العامل الخارجي، فإن
كل السنوات السابقة واللاحقة لهذا الحدث تميزت بتعاظم
التدخل الخارجي الإقليمي أو الدول الأخرى وخاصة الكبرى في
الشؤون الداخلية لبلدنا بسبب تعويل الحكام على هذا العامل.
ويعود السبب في ذلك إلى عدم انتهاج النخب السياسية
العراقية حاكمة أم محكومة لغة الحوار فيما بينها من أجل
التوصل الى الصيغ المناسبة للمشاركة في بناء البلد ودرء
النفوذ والتدخل الخارجي. فقد اعتمدت غالبية النخب
السياسية، وتحديداً الحاكمة منها، نهج الاقصاء في التعامل
فيما بينها بدلاً من ثقافة الحوار البناء لمصلحة البلاد.
كما أن النخب السياسية الحاكمة المتلاحقة كانت على الدوام
تسد كل الطرق للحوار مع الشعب والمعارضة مما أدى في فترات
عديدة من تاريخنا الحديث الى التوسل بالعامل الخارجي من
قبل الحكام للخروج من مأزقهم، أو دفع المعارضين تبعاً لذلك
إلى الاستقواء بأطراف خارجية أخرى من أجل حل مشاكلهم مع
الحكام.
ويمكن الإشارة إلى العديد من الأمثلة التي تؤكد ذلك. ففي
طوال فترة العهد الملكي تقريباً، كان توّجه النخبة الحاكمة
قائم على الاستئثار بالسلطة وتزوير الانتخابات وعدم احترام
الدستور وازدراء رأي الشعب واقصاء كل من يخالفها في الرأي
إلى حد نصب المشانق لحملة الرأي الآخر. ولعل مثل اعدام
قادة الحزب الشيوعي العراقي في عام 1949 وبدون أدنى مبرر
يمثل سابقة خطيرة لحكام العراق، وخاصة مجموعة عبدالاله -
نوري السعيد المتسلطة، وضد حزب يعلن صراحة احترامه للدستور
العراقي، ويطالب بتنفيذ بنوده الخاصة بالحقوق الديمقراطية
المنصوصة عليها في الدستور العراقي. ولم يلجأ هذا الحزب
الى الانقلابات العسكرية ولا المؤآمرات ولا الاستعانة بقوى
خارجية، بل كان يطرح أفكاره ومقترحاته لمعالجة مشاكل
البلاد بشكل صريح ويناضل من أجل تحقيقها بالطرق السلمية،
ويكاد يكون الحزب الوحيد الذي لم يتخل طوال مسيرته عن
الدعوة إلى اقامة جبهة أو ائتلاف مع القوى السياسية
الأخرى، ويعلن كل ذلك على صفحات جرائده وبياناته السرية.
إن إصرار النخبة المتنفذة في العهد الملكي على اقصاء من
يخالفها، دفع بعض المعارضين إلى الإستقواء بقوى خارجية من
أجل فرض نمطها من التغيير. وهذا ما حدث في حركة مايس عام
1941، عندما لجأ اقطاب الحركة وبتشجيع من مفتي فلسطين أمين
الحسيني إلى مد الجسور مع ألمانيا النازية لإحداث تغيير
سياسي في البلاد، والذي فشل أما بسبب تدخل خارجي، أي
القوات البريطانية، أو بسبب عدم تنفيذ العامل الخارجي
الآخر، أي ألمانيا النازية، لوعوده في دعم حركة مايس.
ولعل الفترة التي اقترنت بممارسات حزب البعث في العراق
شاهد آخر على تعاظم دور العامل الخارجي في بلادنا. كان
بإمكان حزب البعث بعد ثورة تموز عام 1958، وبعد أن شارك في
الوزارة التي تشكلت، أن يسعى لتطبيق برامجه بأسلوب بعيد عن
الفرض وأقصاء من يخالفه في الرأي، وكان ذلك خير خدمة
للديمقراطية التي حُرم منها الشعب والحركات السياسية في
العهد الملكي. ولكن لجأ حزب البعث وحلفاؤه إلى أسلوب
الأقصاء والاعتماد على العامل العربي والأقليمي وحتى
الدولي، كالولايات المتحدة، من أجل فرض إرادته على
الآخرين. وعمل لتحقيق ذلك عبر تنفيذ عدد من الانقلابات
العسكرية التي توّجها بأبشع انقلاب دموي حدث في العراق وهو
انقلاب شباط عام 1963. وبعد تسلق البعث للسلطة من جديد في
عام 1968 عبر انقلاب عسكري وبدعم خارجي أيضاً، لجأ في
سنوات لاحقة إلى تكريس العامل الخارجي وعلى نطاق واسع. فلم
يلجأ الحكم إلى حل مشاكله مع الشعب والقوى السياسية الأخرى
وخاصة الحركة القومية الكردية إلى لغة الحوار والتخلي عن
عقلية الأقصاء، بل فضّل اللجوء إلى حل المشكلة عن طريق
صفقة مع شاه إيران وبرعاية من الولايات المتحدة بدلاً من
حوار داخلي، مما أدى إلى انهيار الحركة المسلحة في كردستان
العراق في اللحظة التي تم فيها التوقيع على اتفاقية
الجزائر عام 1975، وذلك بسبب ارتهان الحركة القومية
الكردية المسلحة من طرفها كلياً لإيران وحلفائها على
النطاق الدولي في تلك الفترة العصيبة. كما لم يلجأ إلى حل
المشاكل مع الحزب الشيوعي إبان الجبهة، بل عمد إلى مد
الجسور مع السعودية ومع الولايات المتحدة وإعدام الشيوعيين
كعربون للعلاقة مع هذه الأطراف. وبعد تورّط الحكم في شن
الحرب على الجارة إيران في عام 1980، تعاظم التدخل الخارجي
في الشأن العراقي حيث تلقى الحكم دعماً مالياً وعسكرياً من
دول عربية عديدة لتغطية نفقات حرب ضروس مدمرة ، أضافة إلى
دعم لوجستي ومعلوماتي من قبل الولايات المتحدة والاتحاد
السوفييتي ودول غربية أخرى بعد أن تعرّض الحكم إلى خطر
الانهيار الحقيقي.
وهكذا أصبح الحكم مرتهناً ومقيداً للعامل الخارجي، حيث أنه
ما أن بادر إلى التلويح بنبرة "الاستقلالية" و "العنتريات"
في تصرفاته، وشن مغامرته ضد الكويت حتى أعتبر النظام
"مرتداً" ينبغي فرض "القصاص" عليه من قبل من أحتضنوه
دولياً في السنوات السابقة. أن النتائج الكارثية لمغامرات
النظام وضعت العراق عملياً في أطار من القيود الدولية خاصة
بعد أن اتخذت قرارات قاسية بحق البلاد من قبل أعلى هيئة
دولية. هذا الأمر فرض على العراق حالة لا يمكن فيها إحداث
أي تغيير في البلاد من دون أن يؤخذ بنظر الإعتبار العامل
الخارجي، خاصة في ظل اصرار الحكم على سياسته السابقة في
تجاهل الإرادة الشعبية وإقصاء كل من يخالفه في الرأي داخل
العراق واتهامه بالعمالة والخيانة، مما حرم حتى النظام من
أية فرصة للمناورة مهما كانت ضئيلة، للحد من التدخل
الاقليمي والخارجي في الشؤون العراقية. وتكرّس العامل
الخارجي بشكل رسمي دولي بعد غزو الكويت. فقد وُضع العراق
تحت طائلة البند السابع الخاص بجواز استخدام القوة ضده في
حالة امتناعه عن تنفيذ قرارات الأمم المتحدة حسب قرار مجلس
الأمن المرقم 678 والمؤرخ في 29 تشرين الثاني 1990، والذي
مازال مفعوله سارياً حتى الآن وحتى بعد زوال النظام
السابق.
ثالثاً: كان للقسوة المفرطة للحكم ضد الشعب عموماً
وضد جميع القوى السياسية بدون استثناء، وحتى تلك القوى
المعتدلة الموجودة داخل حزب البعث نفسه، أثراً سلبياً على
القيم السياسية التي اعتاد عليها العراقيون لسنوات طويلة
في تاريخهم الحديث. فحكم البعث تميز بتحوله إلى حزب فاشي
كامل العيار سواء في مواقفه الداخلية أو الإقليمية
والدولية. فلم تعد الفاشية العراقية تحاور العراقيين إلاّ
"بالثاليوم" و "الأسلحة الكيمياوية" و "القبور الجماعية"
وفي "أقبية المخابرات والأمن الرهيبة".
أبو تحسين لسان حال العراقيين في اللحظات الأولى من انهيار
حكم القهر والظلام
وتحول هذا النمط
المدمر من سلوك الأقصاء والسحق إلى ممارسة سلبية طالت حتى
سلوك من عارض النظام أيضاً. وهو ما يمكن أن نلاحظه في عدم
قدرة غالبية الحركات السياسية على إيجاد لغة مشتركة لانقاذ
البلاد من دوامة القتل والتدمير حالياً، وتلجأ أحياناً إلى
الحوار بلغة البنادق حتى في ظروف نضالها ضد الحكم. كما أن
تحويل الدولة إلى دولة فاشية لحزب، أي البعث، وشخصنة
الدولة وتحويلها إلى"عراق صدام" وليس عراق العراقيين،
وتمزيق النسيج العراقي وتحويله إلى كيانات عرقية وطائفية
وعشائرية مشتتة، هزّ بشكل عميق أسس قيم المواطنة العراقية
ومفهوم الوطنية والمواطنة وحب الوطن. وهذا ما ألحق ضرراً
فظيعاً بالمجتمع وقيمه وثقافته وقدرته على إحداث تغيير في
البنية السياسية الفاشية. وهي سمة من سمات كل الأنظمة
الفاشية والإستبداية في العالم شرقها وغربها عندما تغلق
الأبواب أمام الشعب سبل التغيير.
وبذلك يبقى خيار العامل الخارجي هو المطروح من أجل إحداث
هذا التغيير، والأمثلة كثيرة في عالمنا المعاصر. ومازالت
تأثيرات الحكم السابق المدمرة قائمة وتنخر في المجتمع لحد
الآن. لقد أصبحت مغادرة الوطن وخاصة من قبل تلك القوى
الحية في المجتمع وبكثافة ولأول مرة ظاهرة جديدة بارزة في
حياة العراقيين. وقامت غالبية الحركات السياسية بعد أن
أنهكها القمع الفريد والبطش والقسوة بالبحث عن كل السبل
للتخفيف من صعوباتها ومآزقها باللجوء إلى العامل الخارجي
بدون أن تتردد في ذلك، رغم قناعتها بخطأ ذلك، تطبيقاً
لمبدأ القبول بأهون الشرّين. فكان من النادر أن ينعقد
اجتماع للمعارضة العراقية بدون وصايات إقليمية ودولية
وتدخل فض في شؤونها. وقد وصل الأمر ببعض الحركات السياسية
أن تتوجه لتشكيل قوى مسلحة بدعم خارجي، أو حتى الالتحاق
بجيوش أجنبية في مسعى للإطاحة بالحكم المنبوذ، كما حصل
أثناء الحرب العراقية- الإيرانية وقيام بعض العراقيين
بتشكيل "فيالق" تأتمر بالجهات العسكرية والأمنية الإيرانية.
تراجع إمكانيات التغيير داخلياً، وتصاعد دور العامل
الخارجي في التغيير
إن الطبيعة المفرطة في المركزية لحزب البعث وفكره
القومي المتطرف الاستعلائي منع أي تغيير وتعديل في داخل
الحزب والسلطة من قبل شخوص معتدلة في هذا الحزب، خاصة في
الفترة التي أعقبت انقلاب تموز عام 1968 وعودة البعث الى
السلطة بعد انقلابه الاسود في شباط عام 1963. لقد نصب صدام
حسين المجازر الدموية المدانة لثلث قيادة الحزب بُعيد فرض
نفسه رئيساً للجمهورية في عام 1979. لقد شعر بعض القياديين
في حزب البعث أن تسلط صدام سيجلب الكارثة لهم وللبلد كله،
وحاولوا احداث تغيير مهما كان بسيطاً لدرء الكارثة وفي
إطار حزب البعث نفسه أو مؤسساته. ولكن النتيجة كانت كارثية
حتى لمن كان يفكر حتى مع نفسه في هذا التغيير. وفشلت
القوات المسلحة في كل مبادراتها لاحداث تغيير ولو فوقي في
قمة السلطة، بعد ادراك ضباط القوات المسلحة خطر تحويل
الجيش إلى اداة بيد فرد مهووس يزج الجيش في مغامرات غير
محسوبة وعواقب خطيرة. ولم تستطع قوى سياسية عراقية أن
تُحدث أي تغيير في نهج الحكم عن طريق الحوار معه بسبب
قناعة هذا الحكم بأنه جاء ليتحكم وإلى الأبد بالسلطة،
ولايقبل بمشاركة أحد في إدارة البلاد. وهكذا انهار عقد
اتفاقية آذار بين الحركة القومية الكردية وحكم البعث في
عام 1970، ولاقت نفس المصير الجبهة التي عقدها الحزب
الشيوعي العراقي مع حزب البعث وبشكل مأساوي. وينطبق نفس
الأمر على الحركات القومية العربية في العراق التي نالها
ما نالها من البطش والتذويب.
وإزاء ذلك لجأت بعض قوى المعارضة نحو تبني الكفاح المسلح.
ولكنها لم تستطع أن تحدث نجاح يذكر في تغيير الحكم عن طريق
اللجوء إلى هذا الاسلوب من النضال. فالحركة القومية
الكردية والحزب الشيوعي العراقي وحركات دينية أخرى رفعت
السلاح ولكن لم يكن بإمكانها أحداث التغيير بهذا الإسلوب.
فالتناسب في القوى العسكرية والتوازنات الاقليمية والدولية
لم يكن لصالح هذا الاسلوب من التغيير، رغم ما كان له من
أثر إيجابي في حدود الجانب المعنوي وليس في الجانب العملي،
وفي التعبير عن صرخة الاحتجاج على ظلم هذا النظام. كما
فشلت في إحداث التغيير أكبر وأخطر الحركات الاحتجاجية في
تاريخ النظام، والتي تجلت في انتفاضة آذار عام 1991 في
غالبية المحافظات العراقية، وبعد مأزق النظام وفشله في
عدوانه على الكويت.
عندها تصاعدت وبعناوين مختلفة، وتراكمت عناصر اللجوء إلى
العامل الخارجي لإحداث التغيير، سواء في الأوساط الشعبية
أو حتى في نطاق الحركات السياسية المعارضة ومن داخل النظام،
والسعي استغلال العامل الخارجي الذي كان يدعم صدام حسين
سابقاً والمعارض له حالياً. كما أعلن عن ضرورات التغيير من
جانب أطراف عربية وإقليمية وعالمية، بما في ذلك الحديث عن
العامل الخارجي في إحداث التغيير بعد أن سدت كل أبواب
التغيير من قبل العامل الداخلي وحتى العربي. إن كل حديث عن
العامل الداخلي العراقي في التغيير في ذلك الوقت لم يخرج
عن إطار أمنيات وتصورات غير قابلة التحقيق، ومحاولة للظهور
بمظهر المدافعين عن السيادة الوطنية مقابل الطروحات
الخارجية في وقت ينحدر الوطن وبسرعة نحو الهاوية. فالبلاد
دخلت في نفق مظلم من التهري والتعاسة والحرمان والبطش
واللاقانون والفساد. ولهذا السبب استبشر الع