من قتل كامل شياع ؟

زهير كاظم عبود
لكل جريمة فاعل ، ولكل جريمة سبب ، ولابد من تقليب
الأوراق التي تخص قضية أستشهاد الباحث والكاتب
كامل شياع بشكل موضوعي ودقيق ، فالقتلة لم يكن
بينهم وبين الشهيد خصومة شخصية ، ولاعداوات
عشائرية ، والقتلة لم يكن يقصدون التعرض لأي كان
وقتله تعبيرا عن أختلال الأمن وتحديهم للسلطة ،
والقتلة لم يمارسوا جريمة القتل سرا أو تحت جنح
الظلام أو بعيدا عن القصبات والأماكن المأهولة
بالسكان .
تمت الجريمة فوق أرض طريق محمد القاسم ( الخط
السريع ) بالقرب من شارع فلسطين ، وهو من الشوارع
المأهولة والذي يربط أهم شوارع العاصمة ، ولايخلو
من مرور السيارات ، غير أن القتلة أستعملوا السلاح
الجديد الذي دخل العراق حديثا ، فكاتم الصوت سوف
يستعمل بكثرة في عمليات الأغتيالات الفردية .
السيارات التي لاحقت سياة الشهيد لم تك أختارته
بالصدفة ، فقد كانت ترقبه وتخطط الى اللحاق به ،
وكانت بالتأكيد هناك أشارات من جهة تعرف حركة
الشهيد ، وكان هناك تنسيق بين أكثر من جهة حول
التصدي وأرتكاب الجريمة ، وهذه الجهات تعيش بيننا
وتزعم أنها تمارس دورا سياسيا ، غير أنها تعرف
غطست في وحول الجريمة وخسة الفعل ، وتلطخت بدماء
العراقيين مع أنها شريك في اللعبة السياسية وتزعم
أنها تقود العراق .
وأختيار كامل شياع ليس دون معني مطلقا ، فقد كانت
معانيه واضحة ، وعبر مقتله ليس خسارة للثقافة
العراقية والكلمة الحرة الشجاعة ، إنما كان خسارة
للحركة الوطنية في العراق ، فقد كان كامل شياع
ابنا بارا ومخلصا للعراق ولمستقبله ، ولم يهادن
ولم يستكن ، فقد وظف كل ما كان له من العمر في
النضال ضد السلطات الغاشمة ، وتحمل المطاردة
والأغتراب والعذابات ، مثلما تحمل شجاعة قراره فى
العودة الى بغداد حاملا روحه فوق كفيه ، عارفا انه
يمكن أن يضيء طريق العراق الجديد بدمه .
وليس فقط لأن كامل شياع عضوا في المكتب المركزي في
لجنة الأعلام للحزب الشيوعي العراقي ، وليس فقط
لأنه أحد المسؤولين عن تحرير مجلة الثقافة لجديدة
التي يعتز بها كل صاحب ضمير حي ووجدان وطني عراقي
، أنما كان كامل شياع صوتا معتدلا وداعية من دعاة
وحدة المجتمع وتفعيل منظمات المجتمع المدني وترسيخ
أسس النظام الفيدرالي الديمقراطي في العراق .
وكان هذا الصوت مقترنا بما عرف عن الشهيد من خلق
سامي ، وبما يحمله من فكر وضاء كان القتلة يرون
فيه أشعاعا يبهر عيونهم ويعمي قلوبهم ويدحر
افكارهم التي لاتتم قرآئتها الا في ظلام الكهوف
وبعيون الخفافيش ، كانوا يريدون أن تندحر أفكاره
وتخفت مطالباته بالمجتمع الذي يليق بالعراق ،
وكانوا يريدون أن تموت الكلمة الطيبة وتندحر
المحبة ليشيع الجدري والجذام فوق وجه العراق ،
واستعملوا كاتم الصوت ليس بقصد أن يموت كامل شياع
، فلا أنسان يبقى مؤبدا في حياته ، ولكل أنسان
أجله ، ولكنهم ارادوا أن تثقب رصاصاتهم أحرف
الكلمات الجميلة فتشلها عن الحركة .
وفي كل الأحوال يكون المجرم متجردا من عمقه
الأنساني ، ففي لحظة الجريمة يتجرد الإنسان من
أنسانيته ويتخلص من معانيه البشرية ، يتحول لحظتها
الى وحش كاسر وخطير تتهيج غرائزه متعطشة للدم
وأيذاء الآخر ، المجرم بهيمة من البهائم التي تسرح
وتمرح تتبرقع بوجوه بشريه وتتحدث بلسان الناس ،
غير أن هناك من يوظفها ويأمرها فتطيع دون أن تتعرف
على الأسباب ، تقاد كما يقاد القطيع ، والأهم منها
هي تلك الجهة التي تحرك هذه البهائم ، لن يكون
كامل شياع الأخير في هذا الدرب ، والمتمعن في
تدقيق شخوص الثقافة العراقية ، وفي وزارة الثقافة
تحديدا ، فلم يكن الشهيد قاسم عبد الأمير عجام أول
الشهداء ، ولن يكون الشهيد كامل شياع أخر الشهداء
، فلم تكن تلك العقليات توظف تلك البهائم تمدها
بالمال والسلاح وكواتم الصوت والسيارات الا
لأرتكاب مثل تلك الجرائم .
ليس صعبا ومستحيلا معرفة القتلة ، وهذه المهمة
التي ستتولاها الجهات التحقيقية والمخلصين من
أبناء العراق ، وستكشف القتلة وربما تعرضهم علينا
في الفضائيات ، غير أن الأهم أسماء من هم وراء
القتلة ؟ من حرك هذه البهائم لتقتل وتشرب من
دمائنا ؟ فقد شبعنا موتا وشبعنا تبريرا ووعود ،
وربما كثرت ملفات الجرائم وتم اعدام العديد من
القتلة ممن أدانتهم المحاكم القضائية بعد أن توفرت
الأدلة كاملة وواضحة ، وبعد أن اكتسبت قرارات
الأحكام الصادرة بحقهم الدرجة القطعية ، غير أن
تلك القرارات ناقصة ومبتورة وربما تم بترها تتلخص
في عدم كشف الأسماء التي دفعت القاتل ووفرت للقاتل
وأمرت القاتل ، وتلك جريمتها الأخطر وستبقى .
من هم قتلة كامل شياع الحقيقيين ؟ ومن هم وراء هذه
الجريمة الواضحة وضوح شمس تموز في العراق .
لم يقبل كامل شياع أن يبقى في مدينته الصغيرة
والهادئة (( لويفن )) في بلجيكا ، ولم يتقبل أن
يشرب قهوة الصباح في شقته وعلى انغام فيروز في
التلفزيون ، ولا على متابعة ما يجري من بعيد من
فضائيات تدخل البيوت دون استئذان ، ولم يقبل أن
يبقى يتمشى مع ولده (( ألياس )) يوميا في حديقة
المدينة العريقة والتمتع بأزهارها وأشجارها
وبحيرتها الصغيرة ، فظل أن يكون ضمن أهله في بغداد
تحت شمسها اللافحة ، وغبارها الذي يعمي الأبصار ،
ووسط جدران من الكونكريت تقبض النفس وتحز في الروح
، فظل أن يشرب أستكان الشاي من باعته في ساحة
النهضة أو العلاوي ، وان يتسامر مع رفاق دربه وهم
يمسحون عرقهم من جباههم بأياديهم ، ولم تكن وظيفة
المستشار أكبر منه ، فقد كبرت به بشهادة كل الذين
عملوا معه أو تعرفوا اليه .
من هم قتلة رموز العراق وشخصياته الوطنية ؟ ربما
نكون بحاجة ماسة للتصارح والتكاشف وتشخيص ألخلل ،
ولايمكن أن تستقر الامور ونعيد للعراق بهاه ونقاءه
أذا كان القتلة يسرحون ويمرحون ويقررون بيننا ،
نحن بحاجة لكشف هذه الأسماء دون أن نضع للأعتبارات
السياسية أو المذهبية حضورا في الأتهام ، نريد
تشخيصا حياديا لوجه العراق يعين لنا الجهات التي
تقتل رموز الثقافة والتنوير والفكر الوضاء
والطيبين من ابناء شعبنا ، وخصوصا اولئك الذين
يتسلحون بحماية شعب العراق ، وثقتهم عالية بستقبل
العراق .
نريد من الأحزاب العراقية الوطنية مراجعة ضميرية
ووجدانية في تشخيص المجرم والخلل الموجود في مفاصل
حياتنا ، ونحن نزعم إننا على أعتاب زمن ديمقراطي
جديد ، زمن يتيح للعلماني واليساري واليميني
والوسط والمعتدل والمستقل أن يكون جزء مهم من هذا
العراق ، وأن لاجهة تهمش أخرى ولاحزب يقود الأحزاب
، ونريد من الحكومة بأعتبارها حكومة لكل العراقيين
أن تسعى بجهد صادق لكشف الحقيقة خلال مدة قصيرة ،
وأن توظف كل أجهزتها التنفيذية في سبيل أن تستثمر
قضية مقتل الشهيد كامل شياع لكشف حقيقة الأغتيالات
الجارية في العراق ، وتسمية القتلة بعد أن تم حجب
تلك الأسماء خمسة سنوات سالت فيها دماء عراقية
غزيرة ، وفقدنا فيها أرواح عراقية لن يكررها الزمن
، ولن يعوضها القادم من الأيام الا بصعوبة كبيرة ،
خسارتنا كبيرة والأنسان اغلى من المال العام ،
والمثقف العراقي ثروة لايمكن تعويضها ، والرموز
العراقية نتيجة من نتائج المخاض والزمن العراقي
المرير ، متحملين كل تجربته ومراراته ، ولايمكن
تعويضهم أو ابدالهم بيسر .
من قتل كامل شياع يريد أن يقتل الضوء في العراق ،
ومن قتل كامل شياع يريد أن يحارب الأعتدال والمحبة
والسلام ، ومن قتل كامل شياع يفكر في أخصاء شعب
العراق ، ومن قتل كامل شياع يعتقد انه يقتل الكلمة
الحرة .
وكلنا نعرف انه واهم وساذج فالمحبة والكلمة الطيبة
والموقف لايموت بالرصاص ، وسيبقى شعب العراق
وقوافل المخلصين من أبناءه يرفعون شعار المحبة
والتآخي والمجتمع المدني فيئا فوق رأس العراق ،
وسيصدون رصاص الكاتم من الصوت بأجسادهم فقوافل
الشهداء لن تتوقف مادام القتلة وأسيادهم يتسترون
بأردية واغطية وأشكال نعرفها جميعا ، ولكننا بحاجة
للجرأة لتشخيصها وتوجيه أصابع الأتهام لها ، ليكون
القضاء العراقي الذي نثق به دائما هو الفيصل في
أثبات الأتهامات وإصدار الأحكام .
كان كامل شياع يريد الحياة ويعرف انه هدف للقتلة ،
وكانوا يريدون الموت ويعرفون أنهم يتلثمون وجوها
وضمائر ، فهم ميتون ومشطوبين من العراق ، وهو باقي
مابقي الإنسان والتأريخ في العراق .
وما يحز في النفس أن تسجل كل تلك القضايا
الأجرامية ضد المجهول ، وهو ليس مجهول ، ونعرف
يقينا انه ليس مجهول ، وحين نقوم بتوجيه أصابع
الأتهام ، وحين تشخص السلطات التحقيقية المتهمين
القتلة وتقدمهم الى العدالة وحين تقول العدالة
كلمتها وقراراها ، حينها سترف فوقنا ليس فقط روح
كامل شياع وقاسم عجام إنما أرواح كل شهداء العراق
المغدورين ، حينها تتبدد لمخاوف من أن يستمر
المجهول يتصدى لرموزنا ومثقفينا يقتل ويخطف ويهدد
دون رادع ، حينها نطمئن حقا أن الأمن والقانون سيد
الموقف .
لامجهول في القضايا الأجرامية ، ولاقضية تغلق لعدم
معرفة ألجناة ، ولايمكن القبول بالتستر على القتلة
والمحرضين والمخططين ، ولايمكن السكوت عن كل هذا
حتى لايستقوي المجرم على القانون ، ولا عدو الشعب
العراقي على أبناء العراق المجاهدين ، وحتى
لاتستمر لعبة القتلة ونمنحهم فرصة أخرى لأغتيال
عدد أخر من أبناء العراق ، علينا أن نطالب الدولة
بكشف أسماء القتلة وفضح اسيادهم والجهات التي
يتسترون بها ، وهي مهمة وطنية لاتقل أهمية من
المصالحة الوطنية ومن سيادة القانون والأمن في
العراق .
ومع أن رحيل كامل شياع المبكر يشكل خسارة كبيرة
لاتعوض للعراق ، الا انه كان يعرف حقا أنه راحل مع
الخالدين .
_____________________________________