صباح العزاوي الشاعر الهارب
نحو حافات الجنون*
يوسف محسن
تعرفت على صباح العزاوي في سنوات الثمانينيات من
القرن الماضي في مقهى ابو سعد، هذه المقهى الصغيرة
الرطبة التي تقع في منحدر الحيدرخانه من جهة ساحة
الميدان، يوم كانت تعج بالحركة وكذلك الافكار
الصغيرة والكبيرة، واتصور ان الدولة كانت في غفلة
عنها لا ادري ربما لا ولكن المقهى كان فسحة من
الامل الكبير والاحلام الصغيرة احلامنا نحن.
كانت ساحة الميدان مترعة بالحركة كمحطة نقل رئيسة،
سكارى، مشردين، جنود. كنت اجد صباح العزاوي في
منطقة الباصات الذاهبة الى المنصور يغازل الفتيات
الصغيرات الجميلات او يرثي ذاته، كان شخصا مثير
للارتباك في مقهى ابو سعد وجدته يقرأ قصيدة لمحسن
فيها لوعة الحرب والعوق والحب وشظايا الرأس والقدم
المبتورة والتي ادت به الى ان يختار الطريق الطويل
لكي يغازل جنون العراق
لم تطل اكداس ثلجك ناري
انت غزالة غيري في كثبان موحشة
لذا سميتك طريدة وحوش جائعة
كما بلدي الذي يذبح بلدي
بصقيع لا يلسع عدوي المطارد
هل يسعني ان اعلن الحداد عليه
ايتها الواقفة اسفل تل تطرد
رماله العاصفة والصفير
من لي حين الغيوم تطغى وتخرج من
جسد كتائب المعتزلة حرى النشيد
هل اقول للغزالي ان ابن رشد
يهدم ناطحات سحابك قبل ان تمطر
شكا ذا اطراف مبتورة!؟
طف ايها الكامن اللا مرئي ضوءا
في ظلام هدت الجسد كي يوصف بالقمر.
فما افعل به وقد تحول للعالم جغرافيا
شرايين احد هو انا الشموس.
فيا للكون وثلجك ايتها الطريدة
رقبتي تدلت
زحل اسفل قدمي انه جميل وازرق
لكنه بعيد جدا عنهما
ولا هبوط في ضغوطات المضطراذا
تضخمت الاجنحة
الجنان والجنائن لي
لكي افند ادعاء العقل لعقيلي الغائب
سافني في الشموس محض جن
ترى اسيكون جهنما او جحيما لدار
يسكنه واكون سالبه المسلوب
اليوم اجد صباح العزاوي نفسه ايضا في كل مكان،
ساحة الميدان، شارع المتنبي مقهى فقراء لا حدود،
مقهى الشاهبندر، قد يكون باب المعظم الرحم الحقيقي
لصباح العزاوي الشاعر الهارب من حافات البحر نحو
تخوم الهذيانات والصعلكة او الانهيار.
لم يكن العزاوي الوحيد الذي وقع في هذا المفترق
الكبير، فهو ضحية قبل كل شيء لتصميم نظام سياسي
حاول ان يجرف الكائنات البشرية نحو الهاوية
يقول العزاوي في حوار معه (ولد هذا الحيوان الناطق
الذي تم تسميته بـ صباح العام 1959 في قرية
الداركية في عام 1982 وتم تجنيده في حروب صدام
الفاشية العام 1983 اصبت بعوق بدني اكتشفت اني سوف
اصبح شاعرا، في العام 1984 نشرت اول قصيدة في مجلة
اليوم السابع العام 1987 احتفظ بسبعة مخطوطات
شعرية).
*كيف تنظر الى القصيدة هل هي ارض مشاعية مفتوحة
للشاعر ام ارض مغلقة؟
ــ القصيدة حلم عابر، كائن اثيري ماء خضره صحراء،
بلابل، قبرات، عاقول، شوك رمال متحركة صحراء تتخذ
اشكال وكتل متعددة غالبا ما اجد اني متدفقا بالشعر
كالينبوع ولكن ارى عسره في الكتابة، خصوصا حينما
اشعر باني امتلات بحياة صورية بحته اول الامر ومن
ثم يحدث ان افسر افكك هذه الرموز والصور والاشياء
واحلها لاعثر على انعكاساتها داخل النفس وما تسببه
من حالات هنا اكتب القصيدة تولد كأنها طفل صغير
انثى مصنوعة من طين البحر. اعتقد ان الشاعر كلما
قرأ كثيرا ازداد وعيه اولا، ويتم زيادة قاموسه
اللغوي لذلك الشعر وفق هذا المعنى منطقة مشاعة،
لان الشاعر والحال هكذا سوف يستطيع اصطياد الرؤى
الحقيقية والاحلام ممزوجة بخيالات تصل الى مناطق
الجنون لذلك هي مفتوحة.
* انت شاعر مجنون ام مجنون شاعر ؟
ــ غالبا لا استطيع ان اطلق على نفسي شاعر حقا لان
الشعر لدي شيء مقدس لا تقل قداسته عن قداسة
الحياة، لذلك تراني مجنون بهذا المعنى، مجنون
بالحياة والحب والناس مجنون بالشعر والتمرد الدائم
الذي ينتابني بين فترة واخرى.
*ما هي الخمرة؟ ماذا تمثل للشاعر صباح العزاوي؟ هل
هي ادارة الهام؟ ام عائق للعملية البداعية؟
ــ لا تقل قداسة الخمرة عن قداسة الحياة والشعر في
آن معا، ولكني نادرا ما اكتب الشعر تحت تاثير
الخمرة واذ حدث ان كتب تحت هكذا تأثير سرعان ما
امزق ما كتبت، استثني القصائد الجميلة والصور
المبتكرة.
*كيف تنظر الى الخراب؟
ــ نعمة الخراب بالنسبة لي اولا يجعلني اقف
متسائلا ازاء ما يحدث لاكتشف اني عاقل تماما
والاخرون محض مجانين او لا بشر وهل يعقل ان تهدم
مستشفى او مدرسة او معمل او مطبعة انها محض هدم
للبنى، لماذا هذا الخراب. ولماذا كل هذا التدمير؟.
* من انت؟ هل تستطيع تعريف ذاتك؟
ــ ربما كنت محض غيمة ربما احمل الدمن الذي سوف
يزيد بساتين النخيل خصوية وعذوبة ، ربما اكون
عاصفة او رعد او بركان او حنان المعشوق اكتب في كل
مكان في الظلام او الحلم او في الحديقة اكتب كلمتي
الاخيرة:
ليد قتلية
تحت نخلة هنا لغائبات
لعيون
لرأس مقطوع
لقتلى بلا صياح
لمدينة من الكتب
لامة من الجنون
اكتب كلمتي الاخيرة.
****
يجيء المؤرخ
تحرسها التوابيت
في شجرة ضاحكة
من مغرب الحياة
لينحني على قلوب نساء
على نساك تائهين
في بغداد
وكياقوت نادر
يؤرخ المذابح
****
المجد لي
انا تكملة الاصدقاء
حارس شوارعنا من الفراغ
المجد لي
انا ناشر الطمأنينة في وجوه النساء المعذبات
انا موئل موتنا اليومي لاسرار حديدة
انا الابن المشتت بفكرة بغداد
انا الذي رضعت من ثدي ارض يسمونها العراق.
____________________________________
*كتبت هذا المقال قبل وفاة
الصديق والشاعر صباح العزاوي